عاجل : بئر مسعود.. معلم غامض تخفي صخوره أساطير عمرها مئات السنين (صور)

في الإسكندرية أماكن لا تكتفي باحتضان التاريخ، بل تنسج حكاياته من تلاقي هدير البحر بخيال البشر. وعلى مقربة من شاطئ سيدي بشر، تقف تلة صخرية عتيقة يخترقها تجويف رأسي ضيق يتصل بالبحر عبر ممرات وسراديب صخرية غامضة.

ويُعد “بئر مسعود” واحدًا من أشهر المعالم التراثية في المدينة، إذ يجمع بين حقائق تاريخية موثقة وأساطير شعبية تناقلتها الأجيال، في وقت يشهد فيه الموقع أعمال تطوير واسعة ضمن خطة الدولة للارتقاء بالمناطق السياحية والساحلية.

بئر مسعود في الإسكندرية

تشير الدراسات التاريخية إلى أن بئر مسعود لم يكن بئرًا للمياه بالمعنى التقليدي، بل كان جزءًا من يابسة ممتدة لم تكن محاطة بالمياه. ومع مرور الزمن، أدت عوامل النحر البحري والزلازل إلى غمر المناطق المحيطة، لتبقى التلة الصخرية بارزة على الشاطئ كما هي اليوم.

ويرجح علماء الآثار أن أصل الموقع يعود إلى العصرين اليوناني والروماني، حيث أُنشئ كمقبرة جنائزية منحوتة داخل الصخور الساحلية الصلبة وفق طراز “الهيبوجيوم” الروماني، الذي يحاكي المنازل السكنية، على غرار مدافن كوم الشقافة الشهيرة.

تطوير بئر مسعود

ويبلغ عمق البئر نحو 5 أمتار، فيما يزيد عرضه قليلًا على متر مربع، ويرتبط بالبحر من خلال مجرى وممر مائي ضيق يمر أسفل الصخور، وهو ما أضفى عليه مزيدًا من الغموض والتميز.

تناقلت الأجيال روايات متعددة حول سبب تسمية الموقع بـ”بئر مسعود”. وتعود إحدى أقدم الروايات إلى العصر الفاطمي، حيث يُحكى عن عبد يُدعى “مسعود” فر من بطش سيده ولجأ إلى الإسكندرية، ثم توفي بالقرب من البئر، فاعتبر الأهالي المكان “مسعودًا” لأنه منح الرجل الراحة والخلاص.

وفي رواية أخرى، يروى أن طفلًا يتيمًا هرب من قسوة زوجة أبيه واتخذ من محيط البئر مأوى له، قبل أن يُعثر عليه غريقًا داخل البئر، فحمل المكان اسمه تخليدًا لذكراه.

أما الرواية الثالثة فترتبط بأحد الشيوخ المتصوفة ويدعى “مسعود”، كان يتردد يوميًا على التلة الصخرية للتأمل والعبادة حتى توفي هناك. واعتقد بعض الأهالي قديمًا أن ارتفاع مياه البئر خلال الشتاء كان تعبيرًا عن غضبه.

ولا تخلو الذاكرة الشعبية الحديثة من روايات أخرى تزعم أن الاسم يعود إلى تاجر ممنوعات انتهت حياته في الموقع أثناء مطاردة أمنية، لتبقى هذه الحكايات جزءًا من التراث الشفهي الذي أضفى على المكان طابعًا أسطوريًا فريدًا.

ومع مرور السنوات، تحول بئر مسعود إلى مزار سياحي شهير ومقصد للزوار من داخل الإسكندرية وخارجها، حيث اعتاد كثيرون إلقاء العملات المعدنية في جوفه وهم يرددون أمنياتهم ودعواتهم، اعتقادًا بأن هذه العادة تجلب الحظ السعيد وتساعد على تحقيق الأمنيات.

وأصبح هذا التقليد الشعبي جزءًا من هوية المكان، حتى بات يُعرف لدى البعض باسم “بئر الأمنيات” في الإسكندرية.

تواصل محافظة الإسكندرية حاليًا تنفيذ مشروع تطوير بئر مسعود، تمهيدًا لافتتاحه أمام المواطنين والزوار بصورة تليق بقيمته التاريخية والسياحية.

وقال المهندس أيمن عطية، محافظ الإسكندرية، إن المشروع يأتي ضمن رؤية متكاملة لإحياء المناطق المفتوحة على البحر وإتاحتها للمواطنين بشكل حضاري وآمن، مع الحفاظ على الطابع التراثي للموقع.

وأكد المحافظ حرص الدولة على توفير مساحات عامة مجانية تُمكن المواطنين من الاستمتاع بالكورنيش دون أعباء مادية، مشيرًا إلى أن المشروع يمثل نموذجًا لتطوير المقاصد السياحية مع الحفاظ على الهوية البصرية والجمالية للمدينة.

ويتضمن المشروع إنشاء مدرجات واسعة ومفتوحة تسمح للزوار بمشاهدة البحر بشكل مباشر، إلى جانب مناطق جلوس متنوعة المستويات تناسب مختلف الفئات العمرية.

كما تشمل أعمال التطوير تنفيذ منظومة إضاءة جمالية حديثة تعتمد على أعمدة مستوحاة من شكل النخيل الصناعي، بما يحقق التوازن بين الحفاظ على القيمة التاريخية للموقع وتحديث مرافقه وفق متطلبات العصر.

وبين أساطير الماضي وأحلام الزوار التي تُلقى في جوف البئر، يستعد بئر مسعود لبدء فصل جديد من تاريخه، يجمع بين الحفاظ على التراث وإبراز الوجه الحضاري لعروس البحر المتوسط.


المصدر:

رابط المصدر الأصلي

شاهد أيضاً

الآن : كردون أمني للسيطرة على اشتباكات عنيفة أسقطت قتيلًا و4 مصابين بأسيوط

تلقت الأجهزة الأمنية بمديرية أمن أسيوط إخطارًا عاجلًا من غرفة عمليات النجدة، يفيد بنشوب اشتباكات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *