تُعد عقوبة الإعدام أخطر العقوبات المقررة في التشريع الجنائي، لذلك أحاطها المشرع المصري بمنظومة متكاملة من الضمانات القضائية والإجرائية تكفل عدم تنفيذها إلا بعد مراجعة دقيقة للحكم واستنفاد جميع مراحل التقاضي.
يأتي ذلك تحقيقًا للتوازن بين حماية المجتمع من أخطر الجرائم وصون حقوق المتهم وضمانات المحاكمة العادلة، وفق المستشار أشرف عيسى الرئيس بمحكمة استئناف القاهرة ورئيس محكمة الجنايات الاقتصادية سابقًا.
و نفذت أمس مصلحة السجون بوزارة الداخلية، حكم الإعدام شنقًا بحق نورهان المتهمة بقتل والدتها بمساعدة عشيقها
وانتهت أسرة نورهان خليل من دفن جثمانها بمقابر الأسرة بعزبة أبو عوف، في المقابر نفسها التي دُفنت بها والدتها المجني عليها السيدة داليا الحوشي.
صدور الحكم ومرحلة المراجعة القضائية
المستشار أشرف عيسى
وقال المستشار أشرف عيسى، الرئيس بمحاكم الاستئناف والمحاكم الاقتصادية سابقا، لا يصبح الحكم الصادر بالإعدام واجب التنفيذ بمجرد صدوره من محكمة الجنايات، وإنما يمر بعدة مراحل رسمها القانون ضمانًا لسلامة القضاء.
فتلتزم المحكمة، قبل إصدار الحكم، بإحالة أوراق الدعوى إلى مفتي الجمهورية لإبداء الرأي الشرعي، ثم تصدر حكمها بعد ورود الرأي، مع بقاء الحكم خاضعًا لرقابة محكمة النقض.
ومن أهم الضمانات التي أقرها المشرع أن النيابة العامة تعرض أحكام الإعدام على محكمة النقض، ولو لم يطعن المحكوم عليه، حتى تتولى المحكمة مراقبة صحة تطبيق القانون وسلامة الإجراءات، ولا يصبح الحكم قابلاً للتنفيذ إلا بعد اكتسابه الحجية النهائية واستكمال جميع المراحل التي أوجبها القانون.
دور رئيس الجمهورية
وقال المستشار أشرف عيسى، إنه بعد صيرورة الحكم باتًا، تُرفع أوراق الدعوى إلى رئيس الجمهورية بواسطة وزير العدل قبل التنفيذ.
ويملك رئيس الجمهورية، وفقًا للدستور والقانون، سلطة العفو الخاص عن المحكوم عليه أو إبدال عقوبة الإعدام بعقوبة أخرى، فإذا لم يصدر قرار بالعفو أو الإبدال خلال المدة القانونية، استكملت إجراءات تنفيذ الحكم وفقًا للقانون.
ويُعد هذا الإجراء إحدى الضمانات الأخيرة التي تسبق تنفيذ العقوبة.
كيفية تنفيذ الحكم
وبحسب المستشار أشرف عيسى، فقد حدد قانون الإجراءات الجنائية ضوابط دقيقة لتنفيذ حكم الإعدام، فنص على أن يتم التنفيذ داخل أحد السجون أو في مكان مستور، بناءً على طلب كتابي من النائب العام يفيد استيفاء جميع الإجراءات القانونية.
ويحضر التنفيذ أحد أعضاء النيابة العامة، ومأمور السجن، وطبيب السجن أو طبيب تنتدبه النيابة العامة، كما يجوز لمحامي المحكوم عليه الحضور إذا طلب ذلك.
وقبل التنفيذ يُتلى منطوق الحكم والتهمة على المحكوم عليه، ويثبت ما يبديه من أقوال في محضر رسمي إن رغب في ذلك، ثم يحرر عضو النيابة محضر التنفيذ، ويثبت الطبيب واقعة الوفاة.
حالات تأجيل التنفيذ
ولم يغفل المشرع الاعتبارات الإنسانية عند تنفيذ العقوبة، فمنع أو أجّل التنفيذ في بعض الحالات، ومنها عدم التنفيذ في أيام الأعياد الرسمية أو الأعياد الدينية الخاصة بالمحكوم عليه، كما يؤجل تنفيذ الحكم إذا كانت المحكوم عليها حاملًا حتى تضع حملها، وذلك وفقًا لأحكام قانون الإجراءات الجنائية.
لماذا يتأخر تنفيذ بعض أحكام الإعدام؟
يرجع تأخر تنفيذ بعض أحكام الإعدام إلى طبيعة الضمانات التي فرضها القانون، إذ يمر الحكم بعدة مراحل تبدأ بإبداء الرأي الشرعي، ثم مراجعة محكمة النقض، والعرض على رئيس الجمهورية، فضلًا عن استكمال إجراءات التنفيذ.
ولهذا قد يفصل بين صدور الحكم وتنفيذه شهور أو سنوات بحسب ظروف كل قضية وما يرتبط بها من طعون أو إجراءات قانونية.
المبادئ المستقرة في قضاء محكمة النقض
وأشار المستشار أشرف عيسى إلى أن قضاء محكمة النقض استقر على أن عقوبة الإعدام لا يجوز القضاء بها إلا إذا قامت الأدلة على الجزم واليقين، إذ لا محل فيها للظن أو الاحتمال، كما أن الأحكام الجنائية يجب أن تبنى على أدلة متساندة يكمل بعضها بعضًا، بحيث تؤدي في مجموعها إلى النتيجة التي انتهى إليها الحكم.
وأكدت المحكمة أن الشك يفسر دائمًا لمصلحة المتهم، وأن الإدانة لا تقوم إلا على اليقين، فإذا تطرق الشك إلى الدليل أو إلى نسبة الجريمة إلى المتهم وجب القضاء بالبراءة.
كما استقر قضاؤها على أن الحكم بالإعدام يجب أن يكون مسببًا تسبيبًا كافيًا يبين الواقعة وأدلة الثبوت بيانًا واضحًا، وأن أي قصور في التسبيب أو فساد في الاستدلال أو إخلال بحق الدفاع أو مخالفة للإجراءات الجوهرية يوجب نقض الحكم.
وأكدت محكمة النقض أيضًا أن الإجراءات الخاصة بإصدار أحكام الإعدام من النظام العام، وأن رقابتها في هذا النوع من القضايا تمتد إلى التحقق من صحة تطبيق القانون وسلامة الإجراءات، ولو من تلقاء نفسها، بما يكفل عدم تنفيذ العقوبة إلا بعد استيفاء جميع الضمانات التي أوجبها القانون.
وتجسد هذه المبادئ فلسفة القضاء المصري، التي تقوم على أن العدالة في قضايا الإعدام لا تتحقق بمجرد الاقتناع بثبوت الجريمة، وإنما بالوصول إلى اليقين الكامل بعد مراجعة الحكم من جميع جوانبه القانونية والإجرائية.
وقال إن أحكام قانون الإجراءات الجنائية والمبادئ المستقرة لمحكمة النقض تكشف أن عقوبة الإعدام في التشريع المصري ليست مجرد جزاء جنائي، وإنما نظام قانوني متكامل يقوم على تعدد مراحل المراجعة والرقابة قبل التنفيذ. فقد أحاطها المشرع بضمانات تبدأ بإحالة الأوراق إلى مفتي الجمهورية، ثم مراجعة محكمة النقض، والعرض على رئيس الجمهورية، وتنتهي بتنفيذ الحكم وفق إجراءات محددة لا يجوز مخالفتها.
ومن ثم، فإن هذه الضمانات تعكس حرص الدولة على ألا تُنفذ عقوبة الإعدام إلا في أضيق الحدود، وبعد التحقق الكامل من صحة الحكم وسلامة إجراءاته، بما يرسخ الثقة في العدالة الجنائية ويؤكد سيادة القانون.
اقرأ أيضا:
بيان عاجل من الداخلية بشأن واقعة معلمة الشرقية داخل المدرسة
ننشر أسماء ضحايا حادث ترعة المريوطية جنوب الجيزة وحالة المصابين
المصدر:
رابط المصدر الأصلي
السفير نيوز -elsafeernews كلمة حق في وجه الباطل