الآن : دواليب الأغاني.. قصة ابتكار معماري حوّل بيوت رشيد إلى قاعات طرب (صور)

لا تقتصر قيمة مدينة رشيد التاريخية على مساجدها وشوارعها العتيقة، بل تمتد إلى منازلها الأثرية التي تحتضن أحد أندر عناصر العمارة المدنية الإسلامية، وهو “دولاب الأغاني”، الذي لم يكن مجرد وحدة خشبية للتخزين، بل صُمم ليكون مسرحًا صغيرًا تُقام عليه حفلات الطرب داخل منازل الأعيان وكبار التجار خلال العصر العثماني.

دواليب الأغاني

وأكد أحمد حباله، مدير آثار رشيد، أن دواليب الأغاني تُعد من أبرز الملامح المعمارية التي اشتهرت بها المدينة، لما تجمعه من قيمة فنية ووظيفة معمارية، فضلًا عن براعة الحرفيين في تنفيذ أعمال خشبية دقيقة تعكس ذوق أصحاب تلك المنازل.

وأوضح مدير آثار رشيد أن دولاب الأغاني ليس قطعة أثاث تقليدية، بل عبارة عن غرفة فنية تقع في نهاية القاعة الرئيسية، ينتهي جدارها بدولاب خشبي كبير يخفي خلفه مسرحًا صغيرًا مخصصًا للمطرب وأفراد التخت الموسيقي.

منازل رشيد التاريخية

وكان المطرب يصعد إلى المسرح عبر سلم خشبي داخل الدولاب، ليؤدي فقراته الغنائية دون أن يشغل مساحة من قاعة الاستقبال، بينما يجلس الضيوف على السجاد والوسائد الفاخرة للاستمتاع بالأجواء الفنية.

وأضاف أن بعض المنازل كانت تضم دولابين للأغاني، أحدهما مخصصًا للرجال والآخر للنساء، بما يتوافق مع العادات الاجتماعية السائدة آنذاك.

ويُعد دولاب الأغاني بالحجرة الرئيسية في الجهة الشمالية بمنزل الأمصيلي من أشهر النماذج الموجودة بمدينة رشيد، إذ صُنع من أجود أنواع الأخشاب، وزُين بتطعيمات من الصدف والعاج، إلى جانب زخارف الأرابيسك والخرط الخشبي والمفاريك والخورنقات والزخارف الهندسية الدقيقة.

كما يضم المنزل نموذجًا آخر بالحجرة الجنوبية، تميز بزخارف كتابية منفذة بالخط الكوفي المربع، تضمنت عبارة “محمد رسول الله”، في لوحة فنية تجسد جماليات الفن الإسلامي داخل البيوت الأثرية.

ولم يقتصر وجود دواليب الأغاني على منزل الأمصيلي، بل انتشرت أيضًا في منازل الميزوني وعلوان ومحارم والقانديلي، حيث اختلفت تصميماتها وتنوعت زخارفها، بما يعكس ازدهار فنون النجارة الإسلامية في رشيد وبراعة صناعها.

وتجمع دواليب الأغاني بين أكثر من وظيفة، فهي عنصر معماري متكامل، وتحفة زخرفية، ومسرح موسيقي صغير، كما تعكس أسلوب الحياة الاجتماعية والثقافية داخل بيوت الأعيان، وتبرز اهتمام سكان رشيد بالفنون والموسيقى إلى جانب العمارة الراقية.

وأشار مدير آثار رشيد إلى أن هذه الدواليب تمثل قيمة فنية ومعمارية وتاريخية كبيرة، إذ توثق جانبًا مهمًا من الحياة الاجتماعية في المدينة خلال العصر العثماني، وتؤكد براعة الصناع المصريين في فنون النجارة والزخرفة الإسلامية.

وأضاف أن منازل رشيد لم تكن مجرد أماكن للسكن، بل كانت فضاءات للفن والثقافة والطرب، صُممت بعناية ليجتمع فيها الجمال المعماري مع الخصوصية والذوق الرفيع، وهو ما يجعلها اليوم من أبرز الكنوز التراثية التي تميز المدينة.


المصدر:

رابط المصدر الأصلي

شاهد أيضاً

تفاصيل : وكيل صحة بني سويف: مزايا للمتبرعين بالدم تشجيعًا على العمل الإنساني

أكد الدكتور هاني جميعة وكيل وزارة الصحة ببني سويف، أن مديرية الصحة تحرص على دعم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *