الآن : حملها والدها سنوات.. حكاية “سميرة” الأولى على تجارة جامعة قناة السويس

في إحدى القرى الهادئة بمحافظة الإسماعيلية، يقف منزل بسيط لا يلفت الأنظار، لكنه يحتضن واحدة من أكثر قصص الكفاح الإنسانية إلهامًا. لم يكن هذا المنزل يملك الكثير من الإمكانات، لكنه كان عامرًا بالإيمان بأن التعليم قادر على تغيير الحياة، وأن الإرادة تستطيع هزيمة كل الصعاب.

“سميرة” الأولى على تجارة قناة السويس

من هذا البيت خرجت سميرة السيد إبراهيم، وهي من ذوي الهمم، تحمل حلمًا بدا للكثيرين أكبر من ظروفها. فقد ولدت بإعاقة حركية فرضت عليها تحديات يومية، لكن أسرتها، وعلى رأسها والدها، رفضت أن تكون الإعاقة نهاية للحلم، وجعلت منها بداية رحلة استثنائية.

وبعد سنوات من الصبر والاجتهاد، تُوجت سميرة بالمركز الأول على كلية التجارة بجامعة قناة السويس، بعدما حافظت على صدارة دفعتها طوال سنوات الدراسة الأربع، وتخرجت بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، بنسبة تجاوزت 97%.

الأولى على تجارة قناة السويس

لم يكن والد سميرة يكتفي بتشجيعها بالكلمات، بل كان يصنع لها طريق النجاح بيديه، ففي المرحلة الابتدائية، كان يحملها على كتفيه كل صباح حتى تصل إلى المدرسة، غير عابئ بطول الطريق أو مشقة الرحلة، مؤمنًا بأن كل خطوة يخطوها تقربها من مستقبل تستحقه.

ومع انتقالها إلى المرحلة الإعدادية، أصبح الطريق أطول، فاشترى حمارًا ليكون وسيلة انتقالها اليومية، ثم اشترى عربة “كارو” يجرها الحمار، حتى يوفر لها رحلة أكثر راحة ويخفف عنها عناء الذهاب إلى المدرسة والعودة منها، وكان يرى أن تعليم ابنته هو أفضل استثمار يمكن أن يقدمه لها.

ازدادت الرحلة صعوبة في المرحلة الثانوية، إذ التحقت بمدرسة في منطقة أبو خليفة التابعة لمركز القنطرة غرب، تبعد عن منزلها نحو 22 كيلومترًا، لتصبح رحلتها اليومية ذهابًا وإيابًا قرابة 44 كيلومترًا.

وكان والدها يصطحبها كل صباح إلى الطريق الرئيسي لتستقل وسائل المواصلات، ثم يعود إلى عمله، قبل أن ينتظرها في نهاية اليوم الدراسي ليعيدها إلى المنزل، الذي يبعد نحو 10 كيلومترات عن الطريق الرئيسي.

ورغم مشقة الرحلة اليومية، لم تتراجع سميرة، بل كانت ترى أن نجاحها هو أقل ما يمكن أن تقدمه تقديرًا لتضحيات والدها.

مع التحاقها بجامعة قناة السويس، واجهت الأسرة تحديًا جديدًا، إذ لم تسمح الظروف المادية بشراء سيارة مجهزة.

لكن والدها لم يستسلم، فاشترى “تروسيكل” مستعملًا، وأجرى عليه تعديلات تتناسب مع حالتها الصحية، حتى تتمكن من استخدامه بأمان.

وكان يوصلها يوميًا إلى الطريق المؤدي إلى الجامعة، ثم يعود لاصطحابها بعد انتهاء اليوم الدراسي.

وتؤكد سميرة أن والدها لم يشعرها يومًا بأنها عبء، بل كان يردد دائمًا أن نجاحها هو أغلى ما يملك.

منذ طفولتها، كانت سميرة تحلم بأن تصبح طبيبة، وبالفعل حصلت بعد الثانوية العامة على بطاقة ترشيح لكلية الطب، وكانت تتمنى علاج مرضى العمود الفقري لأنها عاشت بنفسها معاناة المرض.

لكن أثناء استكمال إجراءات الالتحاق، تلقت نصيحة بعدم دراسة الطب بسبب طبيعة الدراسة العملية وما تتطلبه من مجهود بدني، فجرى توجيهها إلى كلية التجارة.

ورغم صعوبة التخلي عن حلمها الأول، قررت أن تجعل من هذا التحول بداية جديدة، فالتحقت بكلية التجارة، وحولت خيبة الأمل إلى دافع للتفوق، حتى حافظت على المركز الأول طوال سنوات الدراسة، وتخرجت الأولى على جميع طلاب الكلية بالشعبتين العربية والإنجليزية.

وجهت سميرة الشكر إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، مؤكدة أن اهتمام الدولة بذوي الهمم منحها الأمل والثقة في المستقبل.

كما أعربت عن امتنانها للدكتور ناصر مندور، رئيس جامعة قناة السويس، مشيرة إلى دعمه المستمر لها، وقدمت الشكر أيضًا إلى الدكتور محمد عبد النعيم، نائب رئيس الجامعة لشئون التعليم والطلاب، والدكتور أحمد عزمي، عميد كلية التجارة، والدكتور محمد أبو العلا، وكيل الكلية، والدكتورة سلوى فراج، عميد الكلية الأسبق، تقديرًا لما قدموه لها من دعم طوال رحلتها الجامعية.

ورغم الإنجاز الكبير، لا تزال أحلام سميرة بسيطة لكنها كبيرة في معناها؛ فهي تتمنى أن تعيش أسرتها في منزل يليق بما قدمته من تضحيات، وأن يُكرَّم والداها برحلة عمرة أو حج تقديرًا لسنوات الكفاح.

كما تطمح إلى امتلاك سيارة مجهزة تساعدها على التنقل إلى مقر عملها مستقبلًا، بما يمكنها من الاعتماد على نفسها.

ولا يتوقف طموحها عند درجة البكالوريوس، إذ تؤكد أن رحلتها العلمية ما زالت في بدايتها، وتسعى للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه، كما تأمل في التعيين معيدة بكلية التجارة بجامعة قناة السويس، لتسهم في تعليم الأجيال الجديدة، وتكون نموذجًا ملهمًا لكل طالب، خاصة من ذوي الهمم، بأن الأحلام تتحقق بالإرادة والاجتهاد.

واستقبل الدكتور ناصر مندور، رئيس جامعة قناة السويس، الطالبة سميرة السيد إبراهيم عقب إعلان النتيجة، وهنأها بحصولها على المركز الأول، مؤكدًا أن قصتها تمثل نموذجًا استثنائيًا للإرادة والإصرار، ورسالة لكل طالب بأن النجاح لا تصنعه الظروف، بل العزيمة.

كما دعاها إلى مواصلة تطوير نفسها، وإتقان اللغات الأجنبية، والاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي باعتبارها من أهم أدوات التميز في سوق العمل.

ومن جانبه، أكد الدكتور محمد عبد النعيم، نائب رئيس الجامعة لشئون التعليم والطلاب، أن سميرة كانت نموذجًا في الالتزام والاجتهاد منذ التحاقها بالكلية، وأن نجاحها يؤكد أن الإعاقة لا تمنع أصحاب الإرادة من الوصول إلى القمة.


المصدر:

رابط المصدر الأصلي

شاهد أيضاً

الآن : إصابة 3 أشخاص في تصادم ملاكي وموتوسيكل بالوادي الجديد

أُصيب 3 أشخاص، مساء اليوم الإثنين، إثر تصادم سيارة ملاكي مع موتوسيكل على طريق الفرافرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *