عاجل : قفز 20 ضعفا.. رحلة صعود ساندوتش الفول والطعمية في 10 سنوات

“على بركة الله”، هكذا يبدأ محمد صالح (52 عامًا) يومه، قبل أن تشرق الشمس على شارع الجمعية ببولاق الدكرور، بعدما يشعل موقد الطعمية ويتجه لماكينة عجن الطعمية لتجهيز حاجياته.

صالح يمتلك محلًا حمل اسم “قاصد كريم” قبل أن يغبّره الزمن بزيت “الطاسة” المتناثر ويغيّره حر اللهيب، بينما في زاوية المكان انتصبت قائمة أسعار اهترأت أرقامها إثر تعدد كشطها وإعادة كتابتها من جديد.

لم يتخيل صالح أن يضطر “دوريًا” إلى تعديل أسعار بضاعته كل فترة في محاولة للحاق بزيادة المدخلات المستخدمة في صناعة الطعمية.

حسب أرشيف الأخبار، تتبع “مصراوي” قفزات وجبة الفول والطعمية خلال 2015–2026، فبعد 2015 تراوح سعر الساندوتش بين جنيه وجنيه ونصف، بينما قادت موجات تحرير سعر الصرف المتتالية إلى صدمات سعرية متتالية، ليرتفع الحد الأقصى للسندوتش في بعض المناطق إلى 20 جنيهًا للساندوتش العادي، بينما وصل قرص الطعمية إلى 7 جنيهات، مدفوعًا بارتفاع مستلزمات التشغيل من زيوت وطاقة ونقل.

ولا تقتصر جذور هذه القفزات على العوامل النقدية فحسب، وإنما تلحق بها اختلالات الزراعة، حيث قفز سعر طن الفول من نحو 5 آلاف جنيه في 2015 إلى عتبة 40 ألف جنيه حاليًا، بالتزامن مع تراجع المساحات المزروعة بالفول البلدي محليًا لتستقر عند نحو 100 ألف فدان، ما جعل السوق المحلية رهينة لاستيراد ما يزيد على 85% من احتياجاتها، إذ ارتفعت أسعار أقراص الطعمية بنسبة 1400% وكيلو الفول للمستهلك بـ900% مقارنة بما قبل 10 سنوات.

الموظف الإداري بمعهد الدراسات الإسلامية بالعجوزة حسن جاد (54 عامًا) يتحرك من مسكنه يوميًا بشبرا الخيمة لعمله، ويشتري في طريقه “شقتين فول وطعمية” من إحدى العربات.
ولكنه يروي لـ”مصراوي” أن مشكلة غلاء الفول والطعمية لا تقتصر على ارتفاع الأسعار فقط، بل تمتد إلى “اختفاء المجانيات” حسب وصفه، ويتذكر أيامًا كانت السَلطة والمخللات والطحينة تقدّم بسخاء مع السندوتشات، بينما أصبح كثير من أصحاب العربات والمحلات اليوم يحسبون تكلفة كل إضافة على حدة.

فجوة سعر ساندوتش الطعمية

في شارع راقٍ لا يحمل اسمًا بمدينة الرحاب ذات المستوى الاجتماعي فوق المتوسط، تظهر “المنيو” خلف ظهر العامل بمحل “عم شرقي” أحمد منصور (22 عامًا)، وفيها يبدو أن سعر ساندوتش الطعمية التقليدي يُباع بـ15 جنيهًا، بينما ترتفع الأسعار مع إضافة المكونات المختلفة، إذ يصل ساندوتش الطعمية المحشية والإسكندراني لـ20 جنيهًا، فيما يستقر سعر ساندوتش الطعمية التحابيش عند 25 جنيهًا، وترتفع الأسعار إلى 30 جنيهًا للساندوتش مع إضافة مكونات مثل البيض أو البسطرمة أو العجة.

حسب حديث منصور لـ”مصراوي”، فإن الفجوة تتسع بين سعر ساندوتش الطعمية التقليدي وسعر الساندوتشات المضاف إليها الجبن إذ يصل إلى 35 جنيهًا في بعض الأصناف، بزيادة تتجاوز 130% مقارنة بالسعر الأساسي، بينما يضيف أن الطعمية لا تقتصر على الخبز البلدي، إذ إن ساندوتش الطعمية بالفينو تكلّف 35 جنيهًا.

بينما يشير إلى أن أسعار أقراص الطعمية تبدأ من 10 جنيهات للقرص العادي، وترتفع إلى 12 جنيهًا للأصناف المحشية أو الإسكندراني ثم تقفز إلى 25 جنيهًا للأقراص المدعمة بالبسطرمة أو الموتزاريلا وتصل إلى 30 جنيهًا لأصناف الكيري والشيدر والكيري بالبسطرمة.


الطعمية بين حرارة الزيت وارتفاع الأسعار

على بُعد خطوات من أسوار السفارة الإيرانية بشارع رفاعة في الدقي، تبدو الأسعار على عربة فول الرجل الستيني عم شاهين معقولة، وقد تكون هي الأقرب لأسعار محل الجحش في محيط مسجدي السلطان الحنفي وصالح أبو حديد في حي عابدين.

عم شاهين يقول إن الزبائن يعتقدون أن أصحاب العربات يحققون أرباحًا بينما الواقع يشهد أن الزيادات تذهب لتغطية التكلفة، يشير إلى أن الفول نفسه، المكون الرئيسي للوجبة الشعبية، “لمّا سعر الفول أو الزيت يعلى، أنا قدامي اختيارين: يا إما أرفع السعر، يا إما أخسر”، يضيف الرجل الذي قضى أكثر من 3 عقود خلف قدور الفول.

أما مسئول الكاشير عبد الرحمن عنان (33 عامًا) بمحل الجحش يشير إلى قائمة الأسعار التي “سئموا من تغيير أرقام أسعارها” حسب وصفه، ويعبّر: “والله زهقنا من تغيير المنيو كل شوية، فبقينا بنشطب على الرقم القديم ونحط الرقم الجديد”.

أسباب تغيير أرقام الأسعار بين حين وآخر لا تحتاج بيّنة، كما يروي عنان لـ”مصراوي”، فساندوتش الفول أو الطعمية حصيلة سلسلة طويلة من الزيادات التي طالت كل مدخلات الإنتاج خلال السنوات العشر الأخيرة، حسبما يقول.

يضيف عنان أن ارتفاع أسعار النقل والكهرباء والغاز والعمالة والإيجار، أدت لارتفاع كيلو الفول من نحو 5 جنيهات في 2015، بينما بينما وصل حاليًا إلى 60 جنيهًا للكيلو، وكذلك فول التدميس الذي ارتفع من نحو 4 أو 5 جنيهات للكيلو في 2015 إلى 55 جنيهًا حاليًا.

عنان يتابع أن لتر زيت القلي خلال 2015 كان لا يجاوز 15 جنيهًا، ولكنه الآن يصل إلى 85 جنيهًا فقط، كما ارتفعت أسعار الطحينة إلى 150 جنيهًا للكيلو حاليًا بينما لم تتجاوز 15 جنيهًا قبل 10 سنوات.
يجزم عنان أن تكلفة تشغيل محل فول وطعمية ارتفعت بنحو 10 أضعاف خلال عقد واحد، “ارتفاع الأسعار مش قرار فردي، دا من أول حبة الفول لحد الرغيف والورق الملفوف بيه والكيس اللي عليه شعار المحل” يقول.

زيادات سعر رغيف العيش

حسب رصد “مصراوي” لأرشيف الأخبار، كان سعر الرغيف السياحي أو الفينو لا يتعدى 25 قرشًا بالمخابز في 2015، بينما كان الخبز الشامي يُباع بأسعار متقاربة ومع بدء موجات التضخم بعد 2016 ارتفعت الأسعار تدريجيًا، حتى استقرت نسبيًا عند حدود 1.5 جنيه للرغيف، إلا أن بعد 2022 قفزت أسعار الخبز السياحي إلى نطاق يتراوح بين 1.5 و3 جنيهات للرغيف مع اختلافات كبيرة حسب الموقع وجودة المنتج.

خلال العام الحالي، تدخلت وزارة التموين لتنظيم السوق وتحديد حد أقصى للأسعار، حيث قررت أن يبلغ سعر رغيف الخبز السياحي 80 جرامًا بنحو 2 جنيه كحد أقصى، بينما يُسعّر الخبز الفينو (50 جرامًا) عند حدود 2 جنيه أيضًا، مع مستويات أقل للأوزان الأصغر وفق ضوابط رسمية جديدة لضبط السوق ومنع التلاعب بالأسعار.

أمام كلية العلوم في محل البغل بشارع المشاية بالمنصورة، تنسدل قائمة الأسعار لتحكي أزمة تواجه طلاب جامعة المنصورة الباحثين عن وجبة إفطار سريعة على قدر الجيوب والإيدي، بينما يجدون في صدورهم حاجة من أسعار ساندوتشات الفول والطعمية.

الطالب بكلية العلوم أحمد العرابي يقول لـ”مصراوي” إن “أرخص الوجبات الشعبية” لم تعد كذلك، حسب وصفه، إذ يبدأ سعر ساندوتش الفول العادي من 9 جنيهات، بينما تصل الأسعار إلى 20 جنيهًا للفول بالسجق، كما يصل سعر ساندوتش الفول بالبيض إلى 14 جنيهًا.
الطعمية، حسب العرابي، تبدأ من 9 جنيهات للسندوتش العادي، و8 جنيهات للطعمية الإسكندراني و10 جنيهات للطعمية المدخنة (طعمية الكفتة)، وتصل أعلى الأسعار إلى 20 جنيهًا لسندوتش الطعمية بروست.

لا يعترض العامل بمحل البغل محمود علي (38 عامًا) على “الأسعار المبالغ فيها بالنسبة للطلبة” حسب وصفه، ولكنه يبرر بأن الفول قبل أن يصل للزبون يحتاج ساعات طويلة من التدميس والطهي، بينما تعتمد محال الفول والطعمية على أسطوانات البوتاجاز التجارية، حسب علي.

علي يقول لـ”مصراوي” إن سعر إسطوانة البوتجاز في 2015 لم يتجاوز 30 جنيهًا ولكنه وصل الآن إلى 550 جنيهًا، بينما تتجاوز تكلفتها هذا الرقم عند التوصيل للمحال، مشيرًا إلى أن بعض المحال قد تستهلك إسطوانتين أو 3 يوميًا.

يشير علي كذلك إلى فاتورة استهلاك الكهرباء التي قد تتجاوز 3 آلاف جنيه شهريًا حاليًا، بينما لم تكن لتتجاوز قبل 10 سنوات 150 جنيهًا، كما يشير إلى ارتفاع أجور عمال الخدمة والكاشير ومندوبي التوصيل.

يقول علي “الخضار والفول والزيت مش بيجي لواحده للمحل”، ويضيف أن الفول أو صناديق الطماطم أو جراكن الزيت تحتاج النقل بسيارات تعمل بالسولار، وهو ما أدى إلى ارتفاع تكلفة نقل الخضروات والمواد الخام عدة مرات لتصبح جزءًا من تكلفة الساندوتش، بجانب زيادة الإيجارات.

رغم ذلك، لا يزال محمد صالح يدرك أن محله ببولاق الدكرور يحقق معادلة “الأكل الشعبي الرخيص” التي تزداد صعوبة حينما يضطر إلى محو رقم سعر وإضافة آخر، متسائلًا: هل ستظل وجبة الفول والطعمية وجبة البسطاء ومحدودي الدخل؟


المصدر:

رابط المصدر الأصلي

شاهد أيضاً

الآن : سعر الذهب عيار 21 يتراجع 120 جنيها اليوم

تراجعت أسعار الذهب في السوق المحلية خلال تعاملات اليوم، حيث انخفض سعر جرام الذهب عيار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *