حين يصمت الغرب عن إبستن ويستحضر الإسلام للمحاكمة

بقلم الدكتور وسيم مردم بك
في كل مرة يُفتح فيها نقاش عن الأخلاق وحقوق الإنسان، يُستدعى الإسلام من عمق أربعة عشر قرنًا ليُحاكم بمعايير الحاضر، ويُستخرج اسم النبي محمد ﷺ من سياقه التاريخي والديني ليُقدَّم كقضية إدانة جاهزة على منصات التواصل. يحدث هذا في عالم يدّعي أنه لا ينسى، لكنه في الحقيقة يتقن فن النسيان الانتقائي. عالم يتشدق بحماية الطفولة، بينما أغلق بعناية واحدة من أبشع ملفات استغلال الأطفال في العصر الحديث: ملف جيفري إبستن.
قضية إبستن لم تكن شذوذًا فرديًا ولا انحرافًا هامشيًا. كانت شبكة، منظومة، سوقًا سوداء للأجساد الصغيرة، شارك فيها أصحاب نفوذ، مليارديرات، سياسيون، مشاهير، وأسماء يعرفها العالم جيدًا. الوثائق ظهرت، الشهادات وُثقت، الرحلات سُجلت، والقاصرات تكلمن. ثم ماذا؟ صمت ثقيل. انتحار مريب. ملفات أُغلقت. أسماء لم تُحاسب. إعلام خفّض الصوت. ونشطاء أخلاق اختفوا فجأة من البث المباشر.
هنا لا نتحدث عن تاريخ قديم أو سياق مختلف أو أعراف زمن آخر. نحن أمام جريمة مكتملة الأركان حدثت في قلب “العالم الحر”، تحت أعين القانون، وبحماية المال والنفوذ. ومع ذلك، لم نرَ حملات عالمية متواصلة، ولا محاكمات تليق بحجم الجريمة، ولا مساءلة أخلاقية شاملة للنظام الذي سمح بهذا كله. لم نرَ الهجوم نفسه، ولا الغضب نفسه، ولا الاستنفار الأخلاقي ذاته.
لكن حين يكون الحديث عن الإسلام، يتغير المشهد. فجأة يصبح الجميع حراسًا للأخلاق، خبراء في حقوق الطفل، ومؤرخين انتقائيين. تُقتطع صفحة واحدة من التاريخ، تُجرّد من سياقها، وتُستخدم كسكين اتهام، بينما تُغلق العينان عن فضائح الحاضر، وعن أطفال اليوم الذين استُغلوا لا باسم دين، بل باسم المتعة والسلطة والسرية.
المفارقة الصارخة أن الإسلام، الذي يُهاجَم بلا توقف، لم يغطِّ جريمة كهذه، ولم يبررها، ولم يحصّن مرتكبيها بالمال أو النفوذ. أما عالم إبستن، ففعل العكس تمامًا: وفّر الحماية، وأدار الظهر للضحايا، ثم طالبنا جميعًا بالانتقال إلى الخبر التالي.
العدالة لا تكون عدالة إذا كانت انتقائية. وحقوق الإنسان لا معنى لها إن كانت تُستخدم كسلاح أيديولوجي ضد دين بعينه، وتُعطّل حين تقترب من أسماء أكبر من المحاسبة. من حق أي إنسان أن يناقش التاريخ، وأن يختلف، وأن ينتقد، لكن ليس من الحق أن يُستخدم هذا النقاش كستار لإخفاء جرائم الحاضر، ولا كتعويض نفسي عن العجز أمام نفوذ لا يُمسّ.
السؤال ليس دفاعًا أعمى عن الإسلام، ولا تبريرًا لأي ظلم في أي زمان. السؤال أبسط وأخطر ، لماذا يُستدعى الماضي فقط حين يكون المتهم مسلمًا، ويُدفن الحاضر حين يكون الجاني صاحب نفوذ؟ ولماذا تتحول الأخلاق إلى مسرحية موسمية، يظهر فيها الأبطال فقط عندما يكون الاتهام آمنًا؟
إما أن تكون العدالة واحدة على الجميع، أو لا تكون عدالة أصلًا. أما ما عدا ذلك، فليس دفاعًا عن الأطفال، بل خيانة لهم.



