المنطقة على حافة الانفجار : ساعة الصفر تقترب بين واشنطن وطهران

بقلم الدكتور وسيم مردم بك
تدخل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة هي الأخطر منذ سنوات، وسط تصعيد متسارع يتجاوز حدود الرسائل السياسية إلى ملامح مواجهة عسكرية باتت احتمالاتها مفتوحة على كل السيناريوهات. التحركات الأميركية في المنطقة لم تعد محصورة في الردع الرمزي، بل أخذت طابع الجاهزية العملياتية الكاملة، مع انتشار مكثف للقوات البحرية والجوية، ورفع مستوى التأهب في القواعد الأميركية المنتشرة من الخليج إلى شرق المتوسط، في وقت تتعامل فيه طهران مع هذه التحركات بوصفها تمهيداً مباشراً لضربة محتملة.
المشهد الحالي يوحي بأن الأزمة تجاوزت مرحلة الضغط الدبلوماسي، ودخلت نطاق اختبار الإرادات. واشنطن ترى أن هامش المناورة مع إيران يضيق، خصوصاً في ظل تصاعد نفوذ طهران الإقليمي واستمرارها في بناء قدرات عسكرية تعتبرها الولايات المتحدة تهديداً مباشراً لمصالحها وحلفائها. في المقابل، تتعامل إيران مع التصعيد الأميركي باعتباره محاولة لكسر توازن الردع، وتؤكد عملياً، لا خطابياً فقط، أنها لن تكون الطرف الذي يتلقى الضربة من دون رد.
توقيت أي هجوم أميركي، إن وقع، يبدو مرتبطاً بلحظة سياسية وعسكرية دقيقة، حيث تتقاطع الجاهزية الميدانية مع حسابات الكلفة والنتائج. المؤشرات الميدانية توحي بأن نافذة القرار ليست بعيدة زمنياً، لكنها في الوقت نفسه غير محكومة بساعة معلنة، إذ تفضّل واشنطن إبقاء عنصر المفاجأة قائماً، سواء عبر ضربة محدودة تستهدف بنى عسكرية نوعية، أو عبر هجوم أوسع يهدف إلى إضعاف قدرة إيران على الرد السريع.
في مواجهة هذا السيناريو، تظهر إيران بمستوى استعداد عالٍ، يعتمد على مزيج من القدرات الصاروخية بعيدة ومتوسطة المدى، وشبكة دفاع جوي معقّدة، إضافة إلى استراتيجية “الرد المتعدد الجبهات”. القوة الإيرانية لا تكمن فقط في قدراتها التقليدية، بل في قدرتها على توسيع ساحة المواجهة، ما يجعل أي ضربة أميركية محفوفة بخطر الانزلاق إلى صراع إقليمي واسع يصعب احتواؤه.
ضمن هذا الإطار، يبرز احتمال تحرّك الحوثيين كجزء من الرد غير المباشر. فالجبهة اليمنية تبقى ورقة ضغط فعالة، سواء عبر استهداف الملاحة في البحر الأحمر أو عبر ضرب مصالح مرتبطة بالولايات المتحدة وحلفائها. أي هجوم أميركي على إيران قد يُترجم سريعاً إلى تصعيد من هذه الجبهة، في رسالة مفادها أن المواجهة لن تبقى محصورة في نطاق جغرافي واحد.
أما إسرائيل، فتقف في قلب هذه المعادلة، سواء كمشارك مباشر أو كطرف داعم ومؤثّر في مسار الأحداث. احتمالية انخراطها في أي ضربة ضد إيران تبقى قائمة، لا سيما إذا رأت أن الضربة الأميركية لا تحقق أهدافاً حاسمة، أو إذا تعرّضت هي نفسها لرد إيراني أو لضربات من أطراف حليفة لطهران. مشاركة إسرائيل، إن حدثت، ستعني انتقال الأزمة فوراً إلى مستوى مختلف، حيث يصبح الشرق الأوسط بأكمله مسرحاً مفتوحاً للتصعيد.
تقف المنطقة عند مفترق طرق حاسم. لا حرب معلنة حتى الآن، لكن كل عناصرها باتت جاهزة. الضربة الأميركية، إن وقعت، لن تكون حدثاً معزولاً، بل شرارة قد تشعل سلسلة ردود متبادلة يصعب السيطرة على مداها. وبين حسابات القوة والردع، يبقى السؤال الأكبر معلقاً: هل يتم احتواء الأزمة في اللحظة الأخيرة، أم أن المنطقة تتجه فعلاً نحو مواجهة ستعيد رسم توازناتها بالقوة؟



