تفاصيل : من السوق الموازية إلى البنوك.. كيف استعادت التحويلات دورها في دعم الاق

قال خبراء اقتصاديون إن تحويلات المصريين بالخارج برزت كعامل داعم لاستقرار سوق الصرف والاحتياطي وميزان المدفوعات لا سيما بعد تحرير سعر الصرف وعودة التدفقات إلى القنوات الرسمية، واتفقوا على أن التحويلات “صمام أمان” مهم للاقتصاد في المرحلة الحالية، عبر دعم السيولة الدولارية أو تخفيف الضغوط على العملة المحلية أو تمويل الواردات.

ويرى الخبراء الذين تحدث إليهم “مصراوي”، أن جزءًا كبيرًا من زيادة تحويلات المصريين بالخارج “إعادة توطين” لأموال كانت تمر عبر السوق الموازية أكثر من كونها تدفقات جديدة، بينما يذهب آخرون إلى التركيز على البعد الهيكلي وتحسن الثقة والسياسات النقدية، بينما حذر بعضهم من تأثير سياسات توطين الوظائف في الخليج وتقلبات أسواق العمل.
في وقت تتعرض فيه مصادر النقد الأجنبي في مصر لضغوط متباينة، من تراجع إيرادات قناة السويس إلى تقلبات السياحة والاستثمار الأجنبي، برزت تحويلات المصريين العاملين بالخارج كمصدر أكثر استقرارًا وتناميًا للعملة الصعبة.

وحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، احتلت مصر المركز السابع عالميًا في قائمة أكبر الدول المتلقية للتحويلات خلال عام 2024، بينما سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال 2025 تدفقات بنحو 41.5 مليار دولار، محققةً ارتفاعًا بمعدل 40.5% مقارنة بـ2024 الذي سجل نحو 29.6 مليار دولار، حسب البنك المركزي المصري.

ويعكس هذا الترتيب، وفق ما أشار إليه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تزايد الوزن النسبي للتحويلات في معادلة النقد الأجنبي المصري، فقد سجلت التحويلات نحو 31.9 مليار دولار في 2021-2022، ثم تراجعت إلى 22.1 مليار دولار في 2022-2023، قبل أن تنخفض إلى 21.9 مليار دولار في 2023-2024، وفق بيانات البنك المركزي.

لكن التحول الجذري جاء بعد تحرير سعر الصرف في مارس 2024، حيث قفزت التحويلات بنسبة 66.7% لتصل إلى 36.5 مليار دولار في 2024-2025، وهو أعلى مستوى تاريخي، وفق ما نشره تقرير لـ”مصراوي”، كما واصلت التحويلات نموها لتسجل 39.2 مليار دولار خلال أول 10 أشهر من العام المالي الجاري، حسب بيانات البنك المركزي المصري.

الإحصاء: مصر سابع أكبر دولة عالميًا في استقبال تحويلات العاملين بالخارج

الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح يعلق على هذا التحول قائلًا لـ”مصراوي” إن القفزة الأخيرة تعكس عودة الثقة في القنوات الرسمية وسوق الصرف، موضحًا أن استقرار سعر الدولار وتضاؤل الفجوة بين السوق الرسمي والموازي أزال دوافع التحويل عبر قنوات غير رسمية.

ووفق بيانات البنك المركزي المصري، فإن التحويلات أصبحت أحد أهم مصادر دعم ميزان المدفوعات والاحتياطي النقدي الأجنبي، في ظل ارتفاع فاتورة الواردات التي بلغت نحو 83 مليار دولار في 2025، وبلوغ الدين الخارجي نحو 164 مليار دولار بنهاية النصف الأول من العام المالي الحالي.

وفي هذا السياق، تقول الدكتورة رانيا المارية خبيرة الاقتصاد المجتمعي لـ”مصراوي” إن التحويلات تدعم الاستقرار النقدي وتعزّز قدرة الدولة على مواجهة الضغوط التمويلية الخارجية، مضيفة أنها تدعم مباشرة الاحتياطي الأجنبي وتوفير السيولة الدولارية اللازمة للاستيراد وسداد الالتزامات.

بينما يشير هاني أبو الفتوح إلى أن هذه التدفقات تمنح البنك المركزي مساحة أكبر لإدارة سوق النقد الأجنبي، ذاكرًا أنها أحد أهم خطوط الدعم للاقتصاد في ظل تقلبات الأسواق العالمية.

هل التحويلات أموال جديدة أم عودة لأموال خارج النظام؟

رغم القفزة الملحوظة في الأرقام، إلا أن عددًا من الخبراء يشيرون إلى أن جزءًا من هذه الزيادة لا يعكس تدفقات جديدة بالكامل.

الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب يقول لـ”مصراوي” إن ما حدث بعد تحرير سعر الصرف هو إعادة توطين للأموال داخل الجهاز المصرفي، موضحًا أن جزءًا كبيرًا من التحويلات كان يمر سابقًا عبر السوق الموازية للاستفادة من فروق الأسعار.

أما رانيا المارية فتقول إن تحرير سعر الصرف والقضاء على السوق السوداء أعاد جزءًا كبيرًا من التدفقات إلى القنوات الرسمية، دون أن يعني ذلك بالضرورة زيادة مماثلة في دخول العاملين بالخارج.

ويضيف هاني أبو الفتوح أن سلوك العامل المصري بالخارج يرتبط بوضوح سوق الصرف، مشيرًا إلى أن استقرار الدولار أزال دوافع الانتظار والمضاربة.

التحديات المستقبلية تطرح تساؤلات حول الاستدامة

حسب عبد النبي عبد المطلب، فإن نحو 40% من التحويلات تأتي من دول الخليج، مقابل 20% من أوروبا، والباقي من الولايات المتحدة وكندا وبقية العالم، ما يجعل التدفقات مرتبطة مباشرة بأسواق العمل الخليجية.

وفي هذا السياق، حذر السفير حسين هريدي، وفق تقرير متلفز لـBBC عربي، من أن سياسات توطين الوظائف في بعض دول الخليج قد تفرض ضغوطًا مستقبلية على العمالة المصرية، لا سيما بعد ما كشفته أزمة الحرب الإيرانية الأخيرة.

وذئكر رانيا المارية أن التحويلات رغم أهميتها لا يمكن اعتبارها حلًا كاملًا للتحديات الاقتصادية، لكنها تظل أحد أكثر مصادر النقد الأجنبي استقرارًا على مستوى العالم.

هل أصبحت التحويلات أهم من قناة السويس؟

تُظهر البيانات الحديثة فجوة واضحة بين أهم مصدرين للنقد الأجنبي في مصر، فحسب بيانات البنك المركزي، بلغت تحويلات المصريين بالخارج نحو 39.2 مليار دولار خلال 10 أشهر من العام المالي الحالي 2025-2026، بينما بلغت إيرادات قناة السويس نحو 1.97 مليار دولار خلال أول 5 أشهر من العام المالي 2025-2026، مع توقعات لا تتجاوز 4 مليارات دولار بنهاية العام، وفق تقرير لـ”بلومبرج”.

الدكتور خالد الشافعي رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية يقول لـ”مصراوي” إن التحويلات أصبحت حاليًا أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، بل يمكن اعتبارها الأكثر استقرارًا مقارنة ببعض الموارد الأخرى المتأثرة بالتقلبات الجيوسياسية.

لكن الشافعي يلفت إلى أن قناة السويس تظل أصلًا إستراتيجيًا وسياديًا لا يمكن اختزاله في حجم الإيرادات فقط.

تحويل التحويلات إلى استثمار

وفق بيانات وزارة الخارجية المصرية، أطلقت الدولة عدة مبادرات مثل “بيتك في مصر” و”مزرعتك في مصر” و”افتح حسابك في مصر”، بهدف تحويل التحويلات من مجرد تدفقات استهلاكية إلى استثمارات إنتاجية.

ويشير هاني أبو الفتوح إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في جذب التحويلات، بل في تحويلها إلى استثمارات طويلة الأجل تدعم النمو الاقتصادي، مضيفًا أن ذلك يتطلب أدوات ادخارية أكثر جاذبية للمصريين بالخارج.

بينما تكشف البيانات الرسمية والتصريحات الاقتصادية أن تحويلات المصريين بالخارج تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أهم أعمدة النقد الأجنبي في مصر، بل وربما أكثرها استقرارًا في بعض الفترات.

ويجمع معظم الخبراء، فإن صمام الأمان يظل مرتبطًا بعوامل خارجية متعددة، مثل سوق العمل الخليجي واستقرار سعر الصرف وثقة المصريين في النظام المصرفي، وهكذا تبدو التحويلات اليوم أقرب إلى “خط دفاع” للاقتصاد المصري.


المصدر:

رابط المصدر الأصلي

شاهد أيضاً

عاجل : صعود المؤشر الرئيسي للبورصة 3.55% خلال تعاملات الأسبوع

ارتفع المؤشر الرئيسي للبورصة المصرية EGX30 خلال تعاملات الأسبوع الجاري بنسبة 3.55%، ليغلق عند مستوى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *