تمثال جان-فرانسوا شامبليون المغلوط يغادر كوليج دو فرانس

(لماذا لا تُفصل “إهانة الرمز” عن “جريمة الأثر”؟)
(اشهر لصوص الآثار المصرية٣٢)
د.قاسم زكي عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين
في الفصل الثاني عشر من كتابنا (أشهر لصوص الآثار المصرية، الجزء الثالث: شامبليون) نشر عام 2022م، أزعجنا تمثال شامبليون في ساحة كلية فرنسا (كوليج دو فرانس) وقلنا (نعم انه حذاء شامبليون يعلو رأس ملك مصري قديم، في مفارقة مغلوطة وتصوير سيء، هو ذلك التمثال المهين للفراعنة ولكل المصريين، ويظهر فرانسوا شامبليون- الذي فك طلاسم اللغة المصرية القديمة- واقفاً بعظمة وشموخ واضعاً قدمه (حذاءه) على رأس تمثالٍ يمثل أحد ملوك الفراعنة العظام! هذا التمثال صممه المثال بارتولدي ( 1834 م-1904م ) عام 1875م، بعدما صمم تمثالا ليوضع في مدخل قناة السويس (بعد افتتاحها عام 1869م)، لكن رفضه الخديوي إسماعيل. وقيل إنه قام بعمل هذا التمثال المغلوط نكاية في الخديوي إسماعيل باشا الذي رفض شراء تمثال قناة السويس. كثيرا ما نادينا بإزالة هذا التمثال المغلوط دون جدوى، حتى أتى اليوم الموعود.
ففي خبرٍ التقطته الصحافة المصرية بوصفه “نهاية لإهانة الحضارة المصرية”، جرى الحديث عن إزالة تمثال جان-فرانسوا شامبليون من ساحة كوليج دو فرانس في باريس، وهو في صورة اعتبرها كثيرون تجسيدًا فجًّا لعقلية الهيمنة الاستعمارية. لكن—ضمن سلسلة “تهريب الآثار المصرية”—لا يكفينا أن ننشغل بالتمثال بوصفه “شكلاً”؛ بل يجب أن نسأل: ما الذي يخفيه الرمز؟ وهل يُصلح نقل تمثالٍ مُسيء في ساحةٍ أوروبية ما أحدثته قرونٌ من “نقل” الآثار ذاتها خارج مصر؟
أولًا: ماذا حدث فعلاً؟ (تفاصيل تُغيّر زاوية النظر)
الرواية الصحفية المصرية قدّمت الإزالة كاستجابةٍ لحملةٍ طويلة قادها نشطاء ومثقفون مصريون بالداخل والخارج، مؤكدةً أن التمثال يُظهر “قدمًا على رأس فرعون” وأن ذلك إهانةٌ للحضارة. لكن البيان الرسمي الصادر عن كوليج دو فرانس يُقدّم سببًا مؤسسيًا مباشرًا: التمثال (من عمل أوجست بارتولدي) تضرّر بشدة بفعل العوامل الجوية رغم محاولات ترميم، وسيغادر يوم 4 فبراير 2026م لإجراءات صيانة/ترميم ونقلٍ إلى مكانٍ مغطّى، مع تركيب “نسخة راتنج/ريزن” في ساحة الكلية لاحقًا في يونيو 2026م. ليستمر حضور العمل رمزيًا في الموقع. (Collège de France)
هذه التفاصيل ليست هامشية؛ لأنها تُظهر أن المسألة ليست “انتصارًا نهائيًا” بقدر ما هي تحوّل في إدارة الأثر الرمزي: الأصل يُنقل للحفظ، والنسخة تبقى للذاكرة المؤسسية. وبهذا تصبح المعركة الحقيقية: أي ذاكرة ستبقى؟ ذاكرة “العِلم” وحده أم ذاكرة “الهيمنة” أيضًا؟
ثانيًا: من صنع التمثال؟ ولماذا هذه الوضعية؟
التمثال عملٌ نُحت من الرخام عام 1875م، بعد نسخةٍ جبسية عُرضت في معرض باريس العالمي 1867م، وجرى تثبيته في كوليج دو فرانس منذ أواخر القرن التاسع عشر. أما “معنى” القدم فوق رأسٍ فرعوني/سفنكس، فيقدّمه كوليج دو فرانس ذاته بوصفه استعارة: النحات شبّه شامبليون بـ“أوديب” الذي ينتزع سرّه من “السفنكس”، أي أن الرأس أسفل القدم ليس “فرعونًا مُهانًا” بل “لغزًا جرى فكّه. في المقابل، تُظهر مقالات وتحليلات فرنسية أن هذا التفسير “الأوديبي/الجمالي” لم يمنع أن تُقرأ الوضعية اليوم كعلامة تفوّق ورؤية عالمية مركزها أوروبا—وهنا تتفجر فجوةٌ بين نية صانع الرمز وتأثيره على من يقع الرمز فوق رأسه.
ثالثًا: لماذا يدخل هذا الخبر في “تهريب الآثار المصرية”؟
لأن التمثال—قبل أن يكون “رخامًا”—هو تلخيص بصري لعلاقةٍ غير متكافئة: أوروبا “تكتشف” وتُعرّف وتُصنّف، ومصر تصبح موضوعًا للدرس… ثم موضوعًا للجمع والاقتناء. ومع جان-فرانسوا شامبليون تحديدًا لا يمكن فصل مجده العلمي عن عصرٍ كانت فيه فكرة “جمع الآثار” لصالح المتاحف الأوروبية تُقدَّم على أنها خدمة للعلم والحفظ، بينما هي في ميزاننا اليوم جزءٌ من اقتصاد سياسي للتراث.
هنا بالذات تتقاطع “إهانة التمثال” مع “جرح التهريب”:
الرمز يقول: “نحن فوقكم نفك شفراتكم.”
والواقع يقول: “ومن بلادكم نأخذ قطعكم… لتصبح ملكًا دائمًا في متاحفنا.”
ولذلك، حين تُنقل تماثيل أو تُزال لاعتبارات أخلاقية/سياسية، يبقى السؤال الأهم: هل يُراجع العالم أيضًا مسارات خروج القطع الأصلية؟ أم تُصلَح الواجهة ويستمر الجوهر؟
رابعًا: من “التمثال المُهين” إلى “المخزن المُفرَّغ”
على امتداد العقدين الأخيرين، صار ملف “الرموز الاستعمارية” يتقدّم عالميًا: تماثيل تُنقل، أسماء شوارع تُراجع، لوحات تفسير تُضاف. خبر إزالة تمثال شامبليون (أو نقله) يقع ضمن هذا السياق العالمي. لكن تهريب الآثار المصرية لا يحدث في الساحات وحدها؛ يحدث—أولًا—في حفرةٍ ليلية قرب موقع، أو من مخزنٍ ضعيف الحراسة، أو عبر ثغرة “ملكية قديمة” بلا وثائق. وما لم يتحوّل الغضب من “وضع القدم على الرأس” إلى ضغطٍ على سلاسل التوريد غير الشرعية والتاريخ الملتبس للحيازة، فسنكسب معركة الصورة ونخسر معركة الشيء.
ولهذا فإن أهم ما يفتحه الخبر هو مدخل جديد للرأي العام:إذا كان الرمز الأوروبي قادرًا على إحراج مؤسسته ودفعها لنقله/ترميمه وإعادة تفسيره، فلماذا لا نستخدم الزخم ذاته للضغط نحو:
شفافية أكبر في “أصول الحيازة” (provenance) للقطع المصرية في المتاحف والأسواق.
تشديد “العناية الواجبة” في المزادات على القطع المصرية التي تظهر فجأة بوثائق فضفاضة.
تحويل سردية “الغرب يحفظ” إلى سؤال: ماذا خرج؟ وكيف خرج؟ ولماذا بقي هناك؟
خامسًا: أين سيذهب التمثال؟
بحسب بيان كوليج دو فرانس، تقدمت مدينة نوجان-سور-سين لاستضافة التمثال داخل متحف كامي كلوديل (مكانٌ مغطّى ومؤهل لحفظ منحوتات القرن التاسع عشر)، مع بقاء نسخة في ساحة الكلية. (Collège de France)
وهنا مفارقة تستحق التأمل التمثال الذي رآه مصريون “إهانة”، يتحول في فرنسا إلى “قطعة تراث فرنسي تحتاج الحماية”، بينما تراثنا الأصلي كثيرًا ما يخرج من مصر تهريبًا دون أن تتسع له متاحف آمنة أو مخازن مؤمنة كما ينبغي. إن حماية تمثالٍ في باريس تذكيرٌ لنا أن حماية الحجر ليست رفاهية—بل سياسة.
سادسًا: ما الذي ينبغي أن نقوله نحن؟ (خلاصة “تعقيب” باسم مصر)
لا نطلب من العالم أن “يكره شامبليون” ولا أن يلغي العلم؛ بل نطلب شيئًا أدق وأعدل:
فصل العلم عن الغطرسة: فك الرموز عمل إنساني، لكن تجسيده بقدم فوق رأس حضارة كاملة خطأ رمزي كبير—حتى لو كان قصد النحات استعارة.
ترجمة الغضب الرمزي إلى إجراءات مادية ضد التهريب: لأن التهريب هو الإهانة الأشد: أن تُقتلع القطعة من سياقها وتُباع كسلعة.
تحويل “قضية التمثال” إلى درس في الاسترداد: كل موجة رأي عام حول رمزٍ استعماري يجب أن تُستثمر في ملف القطع المصرية التي خرجت بطرق ملتبسة—قانونيًا أو لا قانونيًا—خاصة في حقب الامتيازات والتساهل.
من خطاب الشكوى إلى خطاب الملفات: في زمن المعلومات، أقوى ما تملكه مصر ليس الصراخ، بل “ملف القطعة”: صور قديمة، سجلات حفائر، مراسلات، شهادات منشأ—أي أدلة تُحرج السوق وتُربك المزايد.
خاتمة: تمثال شامبليون ليس نهاية القصة… بل بدايتها
نقل تمثال جان-فرانسوا شامبليون من ساحة كوليج دو فرانس قد يهدّئ غضبًا مشروعًا عند كثيرين، لكنه لا يجيب عن سؤال “تهريب الآثار المصرية”: هل تغيّرت علاقة العالم بتراثنا؟ أم تغيّرت فقط طريقة عرض تلك العلاقة؟
إذا كان التمثال سيذهب إلى متحف كامي كلوديل في نوجان-سور-سين ليُحفظ ويُرمم، فليكن هذا الخبر مناسبةً نذكّر فيها: تراث مصر ليس مادة لتجميل الساحات ولا لملء المخازن في الخارج—بل ذاكرة شعب، وحق دولة، وميراث إنساني ينبغي أن يبقى في موطنه أو يعود إليه حين يثبت أن طريقه للخارج كان طريقًا ملتبسًا أو ظالمًا.




