مقالات

أربع بنات.. وأربع معجزات: كيف حوّل الله ابتلاء المستشار هاني يونس إلى أعظم جبر في حياته

بقلم: المستشار أحمد منصور 

أنا أب لأربع بنات… كان ابتلاؤهن منذ اللحظة الأولى لولادتهن، لكنه كان في الوقت نفسه أعظم عطاء في عمري.

كنّ سبب حزني وألمي، وكنّ أيضًا سبب فرحي وكرم الله عليّ. كنَّ الاختبار… وكنَّ الجبر.

الابتلاء الأول: «هيا»… رحلة عمليات ودموع

بعد أيام قليلة من ولادة ابنتي «هيا»، لاحظت والدتي أمرًا غريبًا في قدمها. ذهبنا إلى الطبيب، وكانت الصدمة: عيب خلقي قد يصل بنا إلى البتر وهي رضيعة.

خرجت من العيادة لا أرى الطريق من دموعي. جلست في سيارتي عاجزًا عن القيادة. قالت لي أمي: “قول يا رب”. لم يكن بيدي شيء… لكن كان بيدي الدعاء.

بحثت عن علاج في ألمانيا وبدأت أستعد للسفر رغم ضيق الحال، لكن رحمة الله سبقت خطاي، وكان العلاج في مصر. أخبرني الطبيب أننا سنخوض رحلة من أربع إلى خمس عمليات تمتد لسنوات حتى تبلغ الخامسة عشرة بخير.

بدأت الرحلة… أربع عمليات، وسنوات تمر كأنها دهور.

وفي يوم سألتني ابنتي سؤالًا كسر قلبي:

“يا بابا، ليه أنا اللي بعمل العمليات؟”

تماسكت وقلت:

“إنتِ أحسن من غيرك، شوفي اللي مش بيمشي أو مش بيشوف… إنتِ بخير والحمد لله.”

رفعت وجهي إلى السماء يومها وقلت:

“يا رب… متبتلنيش في بناتي.”

الابتلاء الثاني: «هنا»… بين الحياة والموت

عدت يومًا من العمل متأخرًا، لأجد زوجتي تخبرني أن ابنتنا «هنا» في الحمام منذ وقت طويل ولا ترد. كسرت الباب… وجدتها فاقدة الوعي.

حملتها وروحي تسبقني إلى المستشفى. كنت أرى أسوأ السيناريوهات في ذهني. في الطوارئ وضعوا لها الأكسجين، وانتظرنا الإفاقة وكأننا ننتظر الحياة نفسها.

طلب الأطباء نقلها إلى مركز السموم خوفًا من تأثير الغاز على المخ. مرة أخرى رفعت يدي وقلت:

“يا رب… علشان خاطري ما تخذلنيش في بناتي.”

مرت الأزمة، وسترها الله. لكنني يومها أدركت أن الإنسان قد يحتمل الألم لنفسه، أما الألم في أولاده فهو امتحان يفوق كل طاقة.

الابتلاء الثالث: «كارما»… حين ظننا أن الحلم بعيد

رزقني الله بتوأم: «عالية» و«كارما». بعد أشهر لاحظنا فرقًا بينهما. جسد «كارما» كان أضعف.

ذهبت بها إلى طبيب مخ وأعصاب، فقال جملة سقطت عليّ كالصاعقة:

“ممكن يكون عندها ضمور في المخ.”

بدأت رحلة علاج طبيعي طويلة وهي لا تزال رضيعة. أمها تستيقظ باكرًا، تذهب بالبنات إلى المدرسة، ثم تأخذها إلى جلسات العلاج، وأنا أنتظر مع أختها.

التحسن كان بطيئًا… ثم توقفت عن المشي تمامًا. كنت أسير في الشوارع وأبكي، أتمنى فقط أن أراها تمشي.

وفي تلك الفترة دعاني الله إلى الحج. أول ما دخلت الحرم، سجدت طويلًا وبكيت بحرقة:

“يا رب… ما تخذلنيش في بناتي.”

عدت من الحج بأسبوع… وفجأة، ونحن في البيت، قامت «كارما» ومشت وحدها.

لم أصدق عيني. بكيت من الفرح. أمها كادت يُغمى عليها.

واليوم تمشي، وتتفوق، وتحصد 97.5% في الصف الثالث الابتدائي.

هنا فهمت حكمة الابتلاء: تصبر… فيعطيك الله ما يبهرك.

وجع لا يراه أحد

صديق لي كان حزينًا على مرض ابنته، فقلت له:

“هتعدي، وربنا كبير.”

رد عليّ:

“اللي إيده في المية مش زي اللي إيده في النار.”

ابتسمت بألم… لأنه لم يكن يعلم أن حياتي كلها كانت نارًا صامتة.

لم يعلم أنني وزوجتي أجرينا عمليتين لنا في نفس اليوم، في نفس المستشفى، وأجلناهما سنوات بسبب عمليات البنات… دون أن نخبر أحدًا. دخلنا وخرجنا بصمت، كما عشنا أوجاعنا بصمت.

ليس كل من يبدو مطمئنًا يعيش في راحة… هناك من يجعل وجعه سرًا بينه وبين الله.

حين يصبح الابتلاء باب رزق

أنا ابن موظف بسيط من قرية بسيطة. لم أملك شيئًا يومًا.

لكن بسبب صبري على بناتي، فتح الله لي أبوابًا لم أتخيلها. عملت مع ستة وزراء إسكان، واثنان منهم أصبحا رؤساء وزراء، ثم أصبحت في مجلس الوزراء.

كل خطوة صعود كانت بعد اختبار…

كل رزق كان بعد دمعة…

كل فتح كان بعد صبر.

بناتي لم يكنَّ عبئًا… بل كنَّ سبب الفضل.

كنَّ الامتحان… وكنَّ الثروة.

الخلاصة

الابتلاء ليس نهاية الطريق… بل بدايته.

الألم قد يكون في ظاهره نارًا، لكنه في باطنه نور وجبر ورفع.

أربع بنات…

أربع حكايات ألم…

وأربع معجزات جبر.

وما بين الدموع والسجود، تعلّمت أن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه…

وإذا صبر، أكرمه بما لم يحلم به.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com